الغزالي
417
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
أعطي ألفا ممن همّته الدنيا . فذكر هذا الكلام للجنيد فاستحسنه وقال : هذا ولي من أولياء اللّه تعالى ، وقال : ما سمعت منذ زمان كلاما أحسن من هذا . ثم حكي أن هذا الرجل اختل حاله ، وهمّ بترك الحانوت ، فبعث إليه الجنيد مالا ، وقال : اجعله بضاعتك ، ولا تترك الحانوت ، فإن التجارة لا تضرّ مثلك . وكان هذا الرجل بقالا لا يأخذ من الفقراء ثمن ما يبتاعونه . وكان ابن المبارك يخصّص بمعروفه أهل العلم ، فقيل له : لو عمّمت ؟ فقال : إني لا أعرف بعد مقام النبوة أفضل من مقام العلماء ، فإذا اشتغل قلب أحدهم بحاجته ، لم يتفرغ للعلم ، ولم يقبل على التعلّم . فتفريغهم للعلم أفضل . وأن يخصّ ذوي العاهات لا سيما ذوي الأرحام والأقارب ، فتكون صدقة وصلة رحم ، وفي صلة الرحم ما لا يحصى من الأجر ، كما مر في بابه ، وأن يخرج الصدقة سرا ليسلم من شؤم الرياء ، ومن إذلال المعطي في الملأ ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « صدقة السرّ تطفئ غضب الرب » . وذكر في حديث السبعة الذين يظلهم اللّه تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله : « رجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أعطت يمينه » . نعم . إن كان في إظهار الصدقة خير ، كأن كان يقتدي به غيره ، فلا بأس إن سلم من الرياء ، وتجنب الامتنان ، كما قال تعالى : لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى « 1 » . فآفة المعروف المنّ ، بل يؤثر كتمانه ، ويستعمل نسيانه ، كما يجب على من صنع له معروف نشره ويتعين عليه شكره ، كما في الحديث : « لا يشكر اللّه من لا يشكر الناس » . وما أحسن قول القائل : يد المعروف غنم حيث كانت * تحمّلها كفور أو شكور ففي شكر الشكور لها جزاء * وعند اللّه ما كفر الكفور
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 264 .